Montasser Ghachem Website

آراء متفرقّة من أحداث تونس

02 Dec 2011
Rate this item
(0 votes)

نحو الوسطيّة و العقلّانيّة

عندما تقرأ التعاليق على شبكة الفايسبوك، تهيم بين الإتهامات المتبادلة بين العلمّاني و السلّفي و الإسلاميّ... أين الحقّ بين كلّ هذا؟ من يريد التعقلّ يركزّ على القيم بعيدا عن النّقاشات الجانبيّة و يكافح من أجل الحريّات العامّة و الخاصّة، حريّة الفكر و التّعبير و المعتقد و قيم المساواة و العدالة و يقاوم كلّ من يتجرأ التعدّي على حريّة الفرد رجلا كان أو إمرأة و ذلك بغضّ النّظر عن إنتماءاته الحزبيّة أو العقّائديّة...

إن كنت تريد أن تكون علمانيّا متطرفّا متأثرّا بفكر النّهضة الفرنسيّة بالخصوص، تقدسّ فولتير و تعشق الخمرة و تتبع الغرب في كلّ كبيرة و صغيرة فلك ذلك لكن ليس لك الحقّ أن تجبر غيرك على إتبّاع فولتير و مونتسكيو و تستنقص من قيمة من يختار أن يكون محافظا أو تتعمّد إستفزاز غيرك... إن كنت تريد أن تكون سلفيّا تؤمن أنّ ما قاله السلّف مقدّس و ترفض كلّ قيم الحداثة، تطيع المالكي أو الشّافعي كأنّه نبيّ يرى ما لا يراه المحدثون، تتحدثّ لغة، تلبس لباسا مخالفا للمعروف و تصرّ على "كذلك وجدنا عليه آباءنا" فلك ذلك لكن ليس لك الحقّ أن تحكم على غيرك كانّك تخاطبه من الجنّة أو تجبر غيرك على قبول لباس غريب عنه أو أن تتعدّى على حريّة إمرأة لأنّك تراها أقلّ قيمة أو تتحدّث بإسم الإلاه في أمور تجهلها و لا تعنيك... لكلّ حريّته الخاصّة كما أنّ للمجتمع حريّته الخاصّة فلا يجوز لأحدكما أن يقرّر مكان المجتمع، فالمجتمع برمتّه بمؤسسّاته و تدافع مكوّناته يقرّر مصير المجتمع... و في حالة ضمنت الحريّات الخاصّة و الفرديّة، للمجتمع أن يتطوّر كيفما شاء...

عن الإعتداء على حرمة الجامعة

لم يغمض لي جفن هذه اليلة في هذه الربوع النّائية، كيف لي وأنا أحسّ بدنوّ أجل جنين الحريّة و خنوعه أمام إستحكام العنف و جبروت الطّاعة... أنظر بأسى إلى ثلاثة و عشرين سنة من عمري قضيّتها صامتا خاضعا أحلم بيوم ـ لا أخاله يأتي ـ أنعم فيه بأريج الحريّة في بلدي... أتى اليوم و ما رأيته قادما و معه ترعرعت أحلام الصبّا و إسترجعت عزّا ظننته لا يكون... لكنّ ها أنا أراه على بهاء طلعته يذبل و يذوي أمام جهل عنيف و سياسة عشوّائيّة... لا أستغرب غباء الجهل و عنفه فالشيء من مأتاه لا يستغرب لكن ما يدمي قلبي ما أراه من إستكانة لأهل علم دنّست حرمات جامعاتهم، و أنتهكت حقوقوهم و أبتذل علمهم و مكانتهم وسط صمت سيّاسيّ مريب... نشتكي و ننّدّد...آه، مللت موّال حزنك يا تونس. لن أشكو قدرا ما كانت لتصنعه عبثيّة الجهّال لولا تواطء صمتي المخزي . سيسألني حفيدي ما مكانة عالم تلعب بأقداره الجهلة، لن أطأطأ رأسي حينها و لن أواتر أخطاء الجدود، سأقف من أجلك يا علم، يا حريّة، يا تونس. لن تستهان مكانتي و علمي... لن أستمرّ في العمل في مكان لا يحترم ذاتي... قد نظنّ أنفسنا على منبر من منابر المعرفة و لكنّنا في الحقيقة بوق على أعلى منابر الخنوع و التردّي... إذا سقطت قيمة أهل العلم في بلدي، سقط آخر جنديّ في جيشها و غاب عن الفصول ربيعها و إنطفت أنوار حضارتها. أشهدك بلدي أنّني سأقف في صفّك أصارع غيوما حالكة تحجبك نور الكرامة و الحريّة و لن أغنّي مواويل حزنك من جديد. لا يعمّ الجهل قوما إلّا بخنوع أهل العلم فيه... إنّ العلم رهين علمائه، إنّ عزّوا عزّ. لن أبكي أو أصعق أمام شباب يتهجمّ على أستاذة تونسيّة ذات قدّ  وباع همت بها و تربيّت على أفكارها وقد أفنت عمرا في تحصيل علمها... لن أكون جحودا بفضلها و سأدافع عنها. لا أفهم أهل العلم في بلدي يواصلون العمل في حرم يهانون فيه كلّ يوم مرّتين... تنتهك حريّاتهم الشخصيّة و تداس مكانتهم العلميّة. أرجو أن أرى أهل العلم في بلدي ينتصرون للعلم بصوت واحد، لا علم بدون إكبار و إجلال لأهل العلم. إنّ كلّ يوم أرى فيه خيرة أبناء تونس تتكلّم بخجل و تقبل الإهانة، أتساءل عن مصير من لم تتداركه "الحياة بعلم يستنير به و أخشى أن يأتي يوم أقول فيه "وا أسفاه على وطن نشأت به"

عن الجامعة و النّقاب

لفت إنتباهي اليوم مقال أنّ منع المنقبّات من الدّخول إلى الجامعة لا يحترم الحريّة و الأقليّات و هذا الكلام خال من الصحّة. أوّلا النّقاب لباس و في المجال الشّخصي لكلّ إنسان الحريّة في أن يلبس ما يريد في بيته أو في فضائه الخاصّ، أمّا في الجامعة وهو فضاء مشترك و بذلك له حدود يحدّدها أهل الذّكر من مجلس علميّ، مجلس طلبة وغيره. لا يمكن لأحد أن ينكر أنّ هناك معضلة أمنيّة في حالة المنقبّات كمّا تتعذرّ مراقبتهنّ أثناء الدّرس و ذلك ضروريّ لنجاح المهمّة الّتي وجدت من أجلها الجامعة. كما لا يختلف إثنان أنّ النّقاب غريب عن مجتمعنا فلا يمكن تقنين ما لا يوجد... ثمّ أنّ الطريقة الّتي أراد بها السلّفيّون المعتصمون فرض آرائهم تتعدّى على علويّة القانون... فلهم أن يجتمعوا في جمعيّات و أن يناضلوا من أجل آرائهم وللمجتمع و أهل الإختصاص ككلّ أن يقبل و أن يلفظ ما يشاء فبذلك يغيّرون القانون لا يتعدّونه... فهل سنغيّر القانون لفتح حانة في الجامعة لأنّ شرب الخمر حريّة فرديّة؟ أو نسمح بإسم حريّة العلم أن يغيّر الطلبّة مواضيع الدرّوس؟ أو نسمح بالتبشّير للمسيحيّة بما أنّ حريّة المعتقد مكفولة دينيّا؟ من المنطق الفقهيّ، الحلال لا يمارس إلّا مقيّدا و هذه القيود لا يضعها إلّا المجتمع بتجاذباته و تدافعاته و أهل الذّكر فأهل مكّة أدرى بشعابها..

أزمة الفكر العربيّ

سنوات و عقود مرّت والعقل العربّي و الإسلامي في سبات عميق، و للعقل الفقهي في أكبر تناقضاته دور رئيسيّ في ذلك فهو من جهة ينبئنا عن تفضيل الله للإنسان بالعقل و يغرقنا بتعداد ذكر أولي الألباب في الكتاب المقدّس و من جهة يطعن في إيماننا إن خرجنا عن رأيه و لا يفتر من تحذيرنا من إستعماله وكأنّ مهمّة العقل هي التقلّيد... هكذا جعلوا منّا عبيدا سجذّا، نثق من دون بحث أو بيّنة، نستشهد بأقوال و أحاديث لم نبحث في صحتّها و قد لا نفهم معناها، نعتبر أنّ ما يخالف رأينا خارج عن الحقّ،نحتقر أنفسنا أمام أيّ مفكرّ من الأزمنة الخوالي أو شيخ قلّد غيره و كأنّنا خلقنا لتقديسهم، نعيد ما قاله الشّيخ فلان و فلان بسذاجة فطريّة، نعتبر كلّ إكتشاف لتناقض في أقوالهم على أنّه عجز منّا عن الإرتقاء لمستوى فهمهم و كأنّ الذكّاء ليس ظاهرة موضوعيّة خارج الوعي... يبنى العقل على مبدأ عدم التنّاقض، لكنّ العقل العربيّ معجزة فهو يحتقر نفسه و لا تزيده التنّاقضات إلّا تصلبّا، تحيّزا و خمولا، إذ لا تشتم الديمقراطيّة إلّا في ربوعنا و نفخر أنّ الإنتخابات أوصلتنا إلى مراكز القرار و لا يحتقر و يهان أهل العلم إلّا بيننا و نتشدّق أنّها كانت "إقرأ" و لا تجبر المرأة إلّا على ضفافنا و ما نفتأ نتحدّث عن تكريمها، و نختار التحيّز اللّا مشروط لفريق و نفخر أنّنا أمّة وسط. في غياب العقل، يسهل ترويض عاطفتنا و نصبح لقمة سائغة لمن يريد الإستبداد بمقدّراتنا ... أرجو منّا كلّنا أن نحكم على الأشياء بكلّ موضوعيّة بعيد عن الثّقة الساذجة و الحكم المسبق و التحيّز... إنّا خلقنا أمّة وسطا.

دمت يا بلدي عصيّا على الطغّاة.

منتصر ـ بوسطن ـ ديسمبر 2011

 

Montasser Ghachem

Montasser Ghachem

I am an Econ PhD student in Stockholm University. My interests are Poetry, Philosophy, Sociology, Economics and Game Theory. I am currently visiting Harvard University in USA. I share with you here my poems, my essays and my small discoveries in life. From Tunisia to USA, going through Germany and passing by Sweden; flows my life... A tale of metamorphosis!

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated.
Basic HTML code is allowed.

You are here: Blog آراء متفرقّة من أحداث تونس