Montasser Ghachem Website

من أيّ جهة من البحر المتوّسط يوجد العالم الثّالث؟

  • PDF

يتغنّى أغلب التّونسيّون بهذه الجملة الّتي أدلت بها فرنسيّة على قناة تلفزيّة تناقش الهجرة الغير شرعيّة من بلدان جنوب المتوّسط نحو أوروبا، و تقارن هذه المتدّخلة بين معاملة الغرب للمهاجرين من افريقيا و معاملة التّونسية للهاربين من الحرب اللّيبية  مغزى الحديث هو أنّ المعاملة التونسيّة كانت أكثر إنسانيّة و أرفع أخلاقيّا من المعاملة الغربيّة لحالتين متشابهتين. و كالعادة إنقّض التونسيّون على الفرصة ليثبتو وهم رفعتهم الأخلاقيّة و الإمتداد في "المشي في الأرض مرحا" خاصّة و أن شهد شاهد من أهلها.


في ظلّ إنتصار الغرب و سيطرته العلميّة و الثقّافيّة و السيّاسيّة و الإقتصاديّة و أخذه بمجامع الحضارة، كانت الثّورة التونسيّة فرصة للشعوب المطحونة أن تثبت أنّها جديرة بالحريّة و ترنو لها ككلّ غربيّ و ما أجمل ما فعله الشعب التونسيّ. لكن قيمة الشعوب من إستمرارها في الحفاظ على قيمها و ما دار اليوم في ملعب  بنزرت يجيب على السؤال الّذي جعلته عنوانا. بنزرت مرّة أخرى كانت أرض الجلاء، جلاء لاعبي  النّادي الصفاقسي عن ملعب. 15 أكتوبر تحت الضغط التّاريخي لفدائيّ الفيراج البنزرتي الّتي لم يسمح لهم كبريائهم و عزّتهم تقبّل الهدف الثّالث للمستعمر الصفاقسيّ الغاشم فدحرالفيراج هذا الأخير و إعتدى على قائده و مدربّه.

 

إنّ أكثر ما يمكن أن يعيب بشرا هو زهوه بنفسه و ظنّه أنّه فوق قوانين التّاريخ و نواميس الحضارة، إنّ الثّورة الّتي قام بها الشعب التونسي، إنّما هي بداية المسار لا نهايته، و قد قام الشعب الفرنسيّ و الأمريكي بالثورات من قبل لكنّهم لم يكونوا في قاطرة الحضارة إلاّ بعد أجيال و أجيال. إنّ من يظنّ أنّه أصبح الأفضل بمجرّد قيامه بثورة، أو إنتمائه لمجموعة ما أو إعتناقه لمعتقد ما ليهمل أنّ الحضارة تراكم للتجارب عبر الأجيال، ولكنّ العقل في مراحل طفولته يأبى إلاّ أن يفكرّ كالأطفال فيظّن أنّ مجردّ إرتدائه لقميص برشلونة يجعل منه لاعبا كبيرا، و بمجرّد وعيه بقوّته يسخر من قوى غيره، و يمجدّ بطولاته و يحقرّ إنجازات غيره.

 

إنّ الإنجاز العظيم الّذي قام به الشعب التونسيّ هو مقاومته لغول الطاعة الّذي يسكن كلّ منّا نتاج لحكم فردّي شمولي سكن كلّ مراحل تاريخ العرب، و لكنّ العمل وحده هو الكفيل بأن يعزّز جنين الحريّة أمام جبروت غول الطّاعة و أن يهدّم معاقل الجهل و الخرافة و أن يجعل من إحترام الآخر قيمة إجتماعيّة. لكلّ من يتساءل "من أيّ جهة يوجد العالم الثّالث؟" أجيب أنّ العالم الثّالث لم يغيّر موقعه و لكنّ الشعب التونسيّ ركب قطار الحضارة بعد أن كان خارج التّاريخ، وفي ذلك شرف كبير له، و لكن أن يغتّر بنفسه و يظنّ أنّه بمجرّد صعوده القطار له أن يكون قاطرته و يقارن نفسه بروّاد  الحضارة، فذلك يخرجه من تواضعه و يقزّم أخلاقه و يحطّ من إنجازاته و كما قال العرب قديما "عاش من عرف قدره".

 

2011 © منتصر الغشّام

 

You are here: Home